
خاطب صاحب السمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ابناء شعبه الكويتي في الخطاب السامي بتاريخ 29 ديسمبر 2009، وقد تضمنت كلمة سموه الكثير من المعاني والدلالات لعل ابرزها تعبيره الواضح عن مشاعر القلق والاستياء ازاء ما شهدته البلاد مؤخراً من ممارسات غريبة مرفوضة مسّت ثوابتنا ومسلماتنا الوطنية وخرجت عن الاطر الدستورية والقانونية بل والقيم والاعراف الاجتماعية . وقد اكد سموه في كلمته التاريخية ضرورة تحصين وحدتنا الوطنية وحمايتها من كل ما قد يسيء اليها، ونبذ النزعات والعصبيات المقيتة بما تحمله من بذور الفتنة والشقاق بين ابناء المجتمع الكويتي وان يعمل الجميع على ترجمة شعار الولاء للوطن الى سلوك ملموس يجسد معاني المواطنة الايجابية الصالحة.
كما شدد سموه كذلك على رفض مظاهر الفوضى والانفلات والاحتكام دائما الى القانون والالتزام بتطبيقه على الجميع وان يعمل الجميع على احترامه والحفاظ على هيبته وسيادته.
وقد حذر سموه من مخاطر انتكاسة مرضية في الممارسة الديمقراطية جراء المبالغة في تسييس الامور وتجاوز الحدود والضوابط التي تضمنها الدستور والقوانين، مؤكداً دور السلطتين التشريعية والتنفيذية في تجاوز اسباب الخلل في العلاقة بينهما، وايجاد مقومات شراكة حقيقية تلبي الاهداف المنشودة وتسرّع الانجازات التي تخدم الوطن والمواطنين.
وقد اشار سمو أمير البلاد الى الدور الحيوي الذي تضطلع به المؤسسات الاعلامية، محذرا من الانحراف عن رسالتها الوطنية السامية والالتزام بالحرية المسؤولة، لتكون اضافة قوية للوحدة الوطنية واداة ايجابية لتعزيز الرأي العام المستنير ودفع مسيرة التنمية.
كما اكد سموه ثقته بأهل الكويت وبحرصهم على الالتزام بنهج الاولين في المحافظة على وطنهم والتضحية من اجل رفعته وتقدمه، داعيا الجميع الى التلاحم والتعاضد وان تتصافى القلوب وتتشابك السواعد من اجل مصلحة الكويت.
ان المتابع للمشهد السياسي الكويتي يجد أن خطاب صاحب السمو أمير البلاد وضع نقطة تحول حاسمة في مجريات الأحداث المستقبلية ورسم الاحتمالات والتوقعات لردات الفعل القادمة.
من المعروف أن الشعب الكويتي يحترم القيادة السياسية ويعطيها البعد الأبوي الحاضن لمجريات الاحداث، وبالتالي فإن خطاب سمو الامير والذي جاء في وقت هام يعطي دلالة صادقة على ضرورة تهدئة الأوضاع من كل الاطراف السياسية ، لهذا فالمغزى والأساس لهذا الخطاب يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار من الجميع، وهذا ما لمسناه من التعليقات الصادرة من مجموعة من النواب وعدد كبير من النشطاء والكتاب السياسيين، فالاشارات المهمة التي تضمنها الخطاب السامي وجهت رسائل للعقلاء بأن استمرار المشهد السياسي بهذه الهستيرية أمر لا يخدم بلد مقبل على خطة تنمية طموحة طالما طالب بها المواطنون قبل النواب ، وبما أنها [الخطة]قد أنجزت من خلال قانون قدمته الحكومة إلى مجلس الأمة ولقي قبولا مبدئيا من اللجنة المالية، وهي اللجنة المختصة، فإن تطبيقها يحتاج إلى مناخ سياسي هادئ لابد للسلطتين من التعاون معا لتحقيق ذلك.
ان خطاب سمو أمير دولة الكويت يعكس قلقا بالغا من مستقبل هذا الانزلاق الخطير في أدوات التعبير لدى المجتمع المدني الكويتي سواء على المستوى الاعلامي او البرلماني ، الذي كان أكثر ثقافة وممارسة للحوار الديمقراطي في السابق بل واقدر على إدارة تنوعه وتقرير مرجعياته في الفضاء الخليجي، بحكم التجربة التاريخية للديمقراطية الكويتية وإيمان كل التوجهات بأن الوحدة الوطنية وتوسيع مساحة المشاركة الشعبية والحق في الرقابة وتوزيع الثروة هي الأساس في استقرار الدول والمجتمعات، وفي الكويت بالذات يمكن القول ان الوحدة الوطنية.. هي سور الكويت الكبير والحقيقي الذي يحميها من اية أخطار او تقلبات.
من المؤسف أن نرى ونتابع هذا التداعي والتصدع في اللحمة الوطنية دون أي مبرر يستحق هذا التصعيد ، فطوال الفترة الماضية كانت هناك أزمات سياسية يتبادل الاتهام فيها الحكومة والمعارضة، وكان بالإمكان أن لا تستمر هذه الخلافات بين الطرفين وتعالج في الآلية الدستورية والبرلمانية حتى لو ترتب على ذلك خسائر سياسية لأحد الطرفين، فلا حرج في ذلك، وحين جرى استجواب الشيخ ناصر المحمد وصعد المنصة ثم كسب الثقة فإن ذلك كان رداً عمليا على من كان يُصعّد ويرفض القبول بالأداة الدستورية المشروعة أكثر من الرد على من طرح الاستجواب، فقد جرت العملية وانتهى التصويت وبالإمكان أن تتجدد وتحسم وفقا لهذه الآلية. ان هناك مسؤولية للنواب المطالبين بتفعيل كل الأدوات الدستورية في برنامج شامل ومكثف في وقت واحد، حيث إن وضعية المشهد الوطني تحتاج إلى جانب كبير من الاستقرار والتهدئة، وليس من الصالح أن تُطلق الأيمان والأيمان المضادة في جو ملتهب من الأحداث ليس على صعيد الحكومة والمعارضة بل تعداه إلى اللحمة الاجتماعية الداخلية, ولذا فإن التهدئة ومرحلة الحراك وطمأنة كل الأطياف وتعزيز جسور التواصل هي أولوية مهمة للعمل الوطني، مع ضرورة أن تُساعد كل الجهات الرسمية في خلق هذه الأجواء وأن تُخمد في هذه الفترة لغة التهديدات المتبادلة أو التصعيد، ولن يُعالج الوضع بحلٍ جديد للبرلمان ولا بمسيرات شعبية حاشدة.
لا بد من التأكيد على اهمية الاستقرار وتعزيز التعايش والتضامن بين أبناء الشعب الذين يظلهم سور واحد هو سور الوحدة الوطنية الممتد على حدود الكويت، كما يجمعهم سور أشقائهم في الخليج وعمقهم العربي والإسلامي، وكذلك لا بد من التاكيد على اهمية العمل البرلماني المؤسس والذي يخلق فرص المشاركة الشعبية وتطبيق رؤاها من خلال القرارات الصائبة[و لك أن تسميها وطنية أو شرعية..الخ, فالحكمة لا أوطانٌ لها] وثقافة مداولة المسؤولية، بناءً على المصالح الكبرى وترسيخاً لحق الشعب الدستوري, وهي أيضاً ثقافة مسؤولة حين تُقدّر حجم الحراك من حولك وثقافة السلوك المتزن وضبط الخطاب والأدوات الدستورية, وتفهم الفرق بين التفعيل القوي البنّاء وبين تفعيل الفوضى والاستفزاز.



الشيخ عبدالعزيز الرشيد
