محمد الفاتح
العلاقات التركية الأوروبية ضرورة استراتيجية ام علاقات دبلوماسية ؟

لا ينكر احد ما لتركيا من أهمية كدولة رئيسية وقوية في منطقة هامة تقع في ملتقى آسيا وأوروبا والشرق الأوسط .
ومع ان تركيا حليفة مقرّبة من الولايات المتحدة والغرب، لكن روابطها معهم تعرّضت في الاعوام الأخيرة لضغوط متزايدة بسبب خلافات حول السياسة الخارجية الاميركية في الشرق الاوسط، وحول عدم وضوح موقف الاتحاد الأوروبي من مسألة انضمام تركيا إليه. نتيجةً لذلك، يبدو أن تركيا اختارت سياسة خارجية أوسع نطاقًا تبتعد عن التركيز التقليدي على الغرب وتتحوّل نحو مقاربة أكثر توسّعًا تشمل التودّد إلى الخصوم السابقين مثل الصين لتصبح من شركائها الجدد.
أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن تزايد قوة ونفوذ تركيا يعني انه سيخسر استراتيجيًا قوة إقليمية منطقة الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى، وسيخسر سوقًا كبيرًا، ويدًا عاملة شابة، كما إنه من الممكن استعادة الصراع التاريخي والحضاري والجغرافي بين كل من تركيا من جهة واليونان وأرمينيا من جهة ثانية.
على أي حال، فإذا لم تنجح تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فذلك لن يخلو من فائدة بالنسبة إليها، لقد اعتبر اردوغان بأن المجهود الذي يبذله في سبيل ضم بلاده إلى الاتحاد لا يتعلق نجاحه بـ نعم أو لا الأوروبية، بل بمقدار ما يحرر تركيا من قبضة المؤسسة العسكرية، وفتح مجال واسع للمجتمع المدني التركي في التعبير عن نفسه، لإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية قدر المستطاع.
ويبدو ان المعادلة هي كالتالي : تركيا بحاجة الى الإتحاد الأوروبي، وتريد عضوية كاملة معه وليس شراكة مميزة. والإتحاد الأوروبي بحاجة إلى تركيا، ويريد شراكة مميزة معها وليس عضوية كاملة.
علاقات المد والجزر بين تركيا واوروبا
دخلت مفاوضات الانضمام الرسمية بين تركيا والاتحاد الأوروبي مرحلة مجهولة منذ خريف 2005 حتى اليوم، ومن المرشح أن تستمر تلك المفاوضات لعقود أو أن تتوقف، خاصة وأن كل دولة من الاتحاد يتبدّل موقفها من تلك القضية مع تبدل السلطة فيها، كما أن تركيا بالمقابل غير حاسمة أمرها نهائيًا من ملف الانضمام خاصة مع التباين في المواقف لديها بين الحكومة والمؤسسة العسكرية. وتبدو العلاقات بين تركيا وأوروبا حاليًا تقترب من منعطف جديد، خاصة وأن الأولى تعتمد على سياسة عدم المواجهة مع مختلف الدول العربية، الآسيوية والأفريقية والدخول في استراتيجيات مزدوجة مع روسيا وإيران والصين، مما زاد من أهميتها الجيوسياسية والجيواستراتيجية، الأمر الذي حيّر الأوروبيين في طريقة التعامل معها، فهم لا يريدون عضويتها الكاملة في الاتحاد بل شراكة مميزة معها على عكس ما تسعى اليه تركيا.
تقدمت الجمهورية التركية بطلب رسمي للانضمام إلى الجماعة الأوروبية (الاتحاد الأوروبي) في 14 نيسان 1987. وقّعت معه اتفاقية اتحاد جمركي في 31 كانون الأول 1995. في 12 كانون الأول 1999(قمة هلسنكي)، اعْتُرِفَ بتركيا رسميًا كمرشح للعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي وبدأت المفاوضات الرسمية بين الفريقين من أجل الانضمام في 3 تشرين الأول 2005.
وعلى الرغم من مرور تسعة عقود تقريبًا على تأسيس تركيا الحديثة والإصلاحات التي نفذت، خصوصًا مع حزب العدالة والتنمية ابتداءً من العام 2002، في مجالات حقوق الانسان والاقلية الكردية؛ قضية الأرمن؛ قضية قبرص؛ العلاقة مع اليونان؛ دور الدين في الدولة؛ الحد من سلطة المؤسسة العسكرية من التدخل في مؤسسات المجتع المدني؛ فإن مقومات تركيا السياسية، الاجتماعية والاقتصادية لا تزال تختلف بشكل بارز عن نظيراتها الدول الاوروبية وبالاخص التي تعدّ دولاً أساسية في الاتحاد الأوروبي المؤلف من 27 دولة.
لقد اتخذ معظم الاتراك قرارًا استراتيجيًا وهو التحاقهم بالاتحاد الأوروبي، مركّزين على أهمية موقعهم الجيوسياسي، معتبرين أن التحاقهم هذا ينطوي على مصالح أساسية واستراتيجية للطرفين، في حين أن الاتحاد الأوروبي يفرّق بين المصالح نفسها ومواقف أعضائه متباينة حول ما ستكون أوروبا عليه مع تركيا أو من دونها. إن مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي هي أكبر وأوسع من المصالح الأمنية والاقتصادية المتبادلة، وترتبط بالتعامل والتقابل بين نظرتين للعالم وهويتيَن مختلفتَين أي أن العامل الديني يمثل عائقًا جديًّا وحقيقيًا أمام انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
لماذا تريد تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي
تريد تركيا الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي لعدة دوافع أهمها:
أ- الدافع الجغرافي والتاريخي
إن أكثرية النخب التركية، من سياسية وتجارية وثقافية، تنظر إلى العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في سياق يتجاوز اعتبارات السياسة الخارجية، لأنها تعتقد بأن مستقبل بلادها ومصالحها الاستراتيجية ستعتمد بصورة كبيرة على قوة هذه العلاقات ومتانتها، وبالتالي تريد الحصول على الاعتراف بأن تركيا هي دولة أوروبية. لذلك فهي اعتمدت على الجغرافيا الطبيعية، وإن كان 3٪ فقط من مساحتها (779452 كلم2) تقع في الجزء الأوروبي، إلا أنها اعتبرت باقي المساحة امتدادًا طبيعيًا لأوروبا. كما أن تركيا نفسها اعتبرت الجزء الأوروبي منها هو الأهم. أما تركيا ككل، فهي جسر بين الشرق والغرب.
ب- الدوافع السياسية
تنقسم الدوافع السياسية التي تقف وراء رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى قسمين: داخلية وخارجية. فالداخلية تتمثل في توافق معظم التيارات السياسية التركية، من علمانيين وإسلاميين وليبراليين ويمين ويسار والنخب التجارية والثقافية الأقليات، على تأييد انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك بسبب نقمتهم على السياسة الداخلية التي يتّبعها العسكر. السلطة الكبيرة التي تتمتع بها المؤسسة العسكرية التركية سوف تتطلب وقتًا طويلاً ليتم تغييرها بنظر هؤلاء. لذا، فإن انضمام تركيا إلى الاتحاد سوف يساعد على إجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية اللازمة، ونشر الديومقراطية، وحماية حقوق الإنسان، وتقليص سلطة العسكر وسيطرته على المقاليد السياسية في تركيا، كما سيتيح الأقليات والحركات والأحزاب السياسية التعبير عن الرأي وممارسة الحياة السياسية والثقافية بشكل أفضل. أما الدوافع السياسية الخارجية فيتمثل أبرزها في التنافس مع اليونان، خاصة وأن هذه الأخيرة توظف وضعها كعضو في الاتحاد الأوروبي لإبقاء تركيا مفصولة عن أوروبا. كما أن الولايات المتحدة الأميركية شجّعت تركيا على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وذلك من أجل ضمانتها في الحلف الغربي في مواجهة أعدائها. غير أن تركيا بالمقابل لا تريد الاتكال على الولايات المتحدة في كل شيء لكي لا تصبح هذه الأخيرة مسيطرة عليها، لذا فضلّت الانضمام إلى الأوروبيين لكي يدافعوا عنها في حال الخلاف مع الولايات المتحدة الأميركية.
ت- الدوافع الاقتصادية
يمثّل الاتحاد الأوروبي سوق التصدير الرئيسة لمجمل المنتجات الزراعية والصناعية التركية. كما أن التزود المستمر بالسلع الرأسمالية من الاتحاد، والتي تعتبر سلعًا ضرورية للتنمية والتحديث الاقتصادي في تركيا، يشكل مطلبًا أساسيًا لسياسة تركيا التجارية. وتشكّل أوروبا منفذًا مهمًا للعمال الأتراك، وإن ارتفعت أحياناً معدّلات البطالة فيها، غير أن الأمر، يبقى من حيث المبدأ، أداة من أدوات رفع الضغط عن سوق العمل في تركيا نفسها التي تعاني أعباء البطالة.
ث- الدوافع الأمنية
شكّل الهاجس الأمني السبب الرئيسي الذي دفع تركيا بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) إلى الاندماج في نظام الأمن الغربي (الأوروبي-الأميركي) عبر قبول العرض الذي وفّره لها مبدأ ترومان عام 1947، والخاص بالتزامات الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط. وبعد تطور العداء بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، اندمجت تركيا بالنظام الأمني والاقتصادي الغربي عبر دخولها مجموعة من أحلافها، منها: صندوق النقد الدولي، اتفاقية الغات (GATT) وحلف شمال الأطلسي. كلّها اعتبرت أساسية لتطور البلاد سياسيًا واقتصادياً. وأدركت تركيا من خلال مشاركتها في حلف شمال الأطلسي، أنها عنصر مهم لأوروبا أكثر مما هي بالنسبة للولايات المتحدة، فباتت تطمع في الحصول على مساعدات أوروبية على الصعيد العسكري تعوّض المساعدات الأميركية المقلّصة لها. لكن وبعد انتهاء الحرب الباردة في مطلع التسعينات، أهملها الجانب الأوروبي لانشغاله بتطوير نوع جديد من السياسة الأمنية والدفاعية في إطار الوحدة الأوروبية. لكن تركيا حرصت على إبقاء أمنها القومي شديد الارتباط والاعتماد على الأمن الأوروبي في أطره الدفاعية والأمنية ما يدفعها إلى تمتين روابطها مع الأوروبيين .
الإنقسام الأوروبي حيال ملف تركيا وأبعاده
انقسم أعضاء الاتحاد الأوروبي حيال ملف تركيا بين مؤيد لانضمامها ومعارض. وكان لكل فريق براهينه. فمعارضو الانضمام، يسندون حجتهم الأولى إلى الجغرافيا، إذ أن 97٪ من تركيا يقع في آسيا الصغرى وكذلك العاصمة. كما إن تاريخ الأتراك مغاير لتاريخ الأوروبيين، ولطالما شكّل العثمانيون تهديدًا لأوروبا باحتلالهم أجزاءً منها. وبحسب مناهضي انضمام تركيا، فإن الهوية التاريخية لأوروبا لا تفصل عن النموذج الثقافي السياسي الذي صيغ خلال خمسة عشر قرنًا من المسيحية، فتركيا غريبة عن كل التجارب الكبرى التي بَنَت أوروبا كحضارة، من الارتداد إلى المسيحية وإبداعات القرون الوسطى، النهضة والإصلاح، عصر التنوير والرومنطيقية. كما أنها لم تقم إلاّ بتقليد الحياة السياسية التي ولدت في القرن التاسع عشر مع قرن من التأخير عن أوروبا مثل الدولة، القوة البرلمانية والديمقراطية الليبرالية. رفض هذا الفريق أيضاً أن يكون أكبر بلد إسلامي كتركيا في الاتحاد الأوروبي وهو الأقل أوروبياً والذي يُعدّ كحصان طروادة إسلامي داخل أوروبا، هدفه قلب القيم الغربية والتغلغل في الاتحاد الأوروبي لهدم تجربته ، كون الثقافة الإسلامية لا تتوافق والقيم الأوروبية، بالتالي الخوف من اجتياح 70 مليون مسلم بلدان الاتحاد الأوروبي، ما يسّرع ويرفع من وتيرة صراع الحضارات ويغيّر الهوية الأوروبية، ويزعزع الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في أوروبا، مما يسهّل السيطرة التركية على المؤسسات الأوروبية، فتنال تركيا أكبر عدد من النواب في البرلمان الأوروبي الذي يقوم على نسبة عدد السكان في كل بلد، وسيتأثر بهذا الوضع عمل الأكثرية الموصوفة في المجلس الأوروبي الذي يأخذ بالاعتبار المعطيات الديموغرافية، ما يؤكد أن تركيا ستصبح عضوًا يكون له ثقل ألمانيا التي هي أكثر سكانًا في الاتحاد وستحصل مثلها على 96 مقعداً بين سنتي 2025و2050 مقابل 84 لفرنسا من أصل 750 مقعدًا.
أما مناصرو انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي فيعتمدون على عدّة براهين، منها الجغرافيا الثقافية والاقتصادية التي لا تمنع الاندماج كون تركيا منتمية إلى حلف شمال الأطلسي وإلى المجلس الأوروبي. وبالنسبة إلى الجغرافيا الطبيعية، فإنه من الصعب تحديد حدود أوروبا من جهة الشرق حيث لا خطوط تماس واضحة بينها وبين آسيا. استند هذا الفريق أيضًا على أراضٍ فرنسية ما وراء البحار، وممتلكاتٍ بريطانية في المالويين أما جزيرة القديسة هيلينة فهي أكثر بعدًا عن بروكسل أو ستراسبورغ من أنقرة. فلماذا تعتبر تركيا في آسيا في حين أن قبرص التي دخلت الاتحاد، والواقعة شرق أنقرة، تعتبر أوروبية؟
أهم العقبات السياسية التي تعترض انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي
أ- القضية القبرصية
شهد العام 1960 إقامة جمهورية قبرص ذات المجموعتين الطائفيتين اليونانية (80٪) والتركية (20٪) وبضمانات كل من إنكلترا وتركيا واليونان، بحيث لا يمكن تغيير صيغة الدولة دون موافقة الأطراف الضامنين للاتفاقية. لكن وفي العام 1974، نفّذ القبارصة اليونانيون انقلابًا عسكريًا وأطاحوا برئيس الجمهورية، المطران مكاريوس(19) ، بهدف توحيد البلاد مع اليونان وتم استهداف القبارصة الأتراك(20) ما استدرج التدخل العسكري التركي، بأمر من بولنت اجيفيت (Bülent Ecevit) رئيس الحكومة آنذاك والمعارض لانضمام تركيا للسوق الأوروبية، لتحتل ثلث الجزيرة وفقًا «لعملية السلام» ولتبدأ علاقات تركيا مع أوروبا الغربية مرحلة مغايرة إذ نتج عن اجتياح القوات التركية الأراضي القبرصية أزمات اقتصادية بفعل وقف المساعدات الأوروبية والغربية لتركيا، وأزمات دبلوماسية تمثلت بالمقاطعة الغربية والدولية. أيّدت أوروبا الغربية رؤية الجانب اليوناني في الجزيرة التي باتت مقسّمة على طول الخط، وصعّدت حملاتها الدعائية والإعلامية والنفسية على الأتراك وندّدت بشدة بسلوكهم.
ب- المؤسسة العسكرية التركية
بدأ توجه الجيش التركي نحو الغرب مع تأسيسه للجمهورية التركية الحديثة سنة 1923، ورغم ذلك شهدت تركيا ثلاثة انقلابات عسكرية ناجحة (1960-1971-1980). إلا أن بنية هذا الجيش قد تغيّرت بعد انقلاب 1980 وإعلان دستور 1982. لقد ساهم هذا الدستور في تنظيم الجيش للنظام السياسي في تركيا. وفي الحقيقة فإن تركيا تدار حتى الآن من قبل دستور جاء به الانقلابيون. أصبح الجيش التركي سيد نفسه وهو قوة بحد ذاته، كما أنه قوة مالية مهمة. يكفي أن شركة OYAK التابعة للجيش، هي واحدة من أهم وأضخم خمس شركات في تركيا، غير خاضعة لأي رقابة، لأن لها قوانينها الخاصة التي تنظم نشاطها وعملها، إضافة إلى ميزانية خاصة بها.
ت- الأكراد
بدأت المشاكل والمواجهات العسكرية بين تركيا والأكراد منذ العام 1984، وذلك بسبب حرمان تلك الأقلية التي يبلغ عددها 15 مليون نسمة حقوقها وحريتها. لذلك عمد الأكراد إلى التمرد وبخاصة مع حزب العمال الكردستاني الذي يترأسه عبد الله أوجلان فوقعت المواجهات العسكرية بين الطرفين في جنوب شرق البلاد وامتدت إلى سنة .
أصدرت السلطات التركية حكم الإعدام بحق زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في تشرين الثاني 1999، غير أن ذلك الحكم لم ينفّذ بسبب تدخل الاتحاد الأوروبي الذي طالب تركيا باحترام حقوق الإنسان، وبالتالي إلغاء عقوبة الإعدام كشرط أساسي من شروط قبول تركيا في الاتحاد. وفي شباط سنة 2000، أعلن حزب العمال الكردستاني وقف إطلاق النار، والنضال سلميًا من أجل قضيتهم. .
قمة هلسنكي عام 1999 والتحول التاريخي
وافق دول أعضاء الاتحاد الأوروبي في قمة هلسنكي التي انعقدت في 10-12 كانون الأول 1999 على مبدأ قبول طلب تركيا ، ومنحها وضع المرشح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ذلك بعد أن ألغت اليونان تحفظاتها بضغط أميركي. لكن تلك الدول وضعت شروطًا أساسية لبدء المفاوضات الرسمية مع تركيا، من بينها احترام الأقليات وحقوق الإنسان، بإلغاء عقوبة الإعدام، وتحسين علاقتها مع اليونان وكف يد الجيش التركي من التدخل في الشؤون السياسية. قد ساهم الموقف الفرنسي كثيرًا في اتخاذ هذا القرار بسبب تأييد الرئيس جاك شيراك لمسار انضمام تركيا للاتحاد، إذ اعترف بالجهود التي بذلتها تركيا من أجل إصلاح الدولة والنظام السياسي، كما أصرّ على ضرورة تحقيق التقارب بين شطري المتوسط .
كما وقّعت تركيا على وثيقة شراكة الانضمام في آذار 2001 والمتضمنة تنفيذ إجراءات عديدة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، تتوافق مع معايير كوبنهاغن، كشروط على تركيا من أجل الانضمام.
حكومة حزب العدالة والتنمية وتطور العلاقات التركية-الأوروبية بين 2002-2005
جرت في تركيا، في 3 تشرين الأول 2002، انتخابات برلمانية، فاز فيها حزب العدالة والتنمية، ذو التوجه الإسلامي المعتدل، فعيّن رئيس الحزب، رجب طيب أردوغان، رئيسًا للحكومة، الذي قام بجولة أوروبية شملت الدول الـ15 الأعضاء في الاتحاد لتشجيعها على تحديد موعد لبدء تركيا مفاوضات العضوية. أضحى بالنسبة لأردوغان، انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، أولوية في برنامجه، كما أنه اعتمد على سياسة براغماتية حديثة، وخاصة في السياسة الخارجية عنوانها "عدم المواجهة مع كل دول الجوار، وتعدد العلاقات ومزيج من الاستراتيجيات السياسية".
وقد أكد أردوغان رفض أنقرة لأي صيغة شراكة خاصة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بدلاً من انضمام هذه الأخيرة إلى الاتحاد. وعارض مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسيع، جونتر فيرهوجن، أن يتم خلال قمة كوبنهاغن في كانون الأول 2002 تحديد موعد لبدء المفاوضات مع تركيا للانضمام إلى الاتحاد بسبب عدم استكمال الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وأضاف: "ما دام العسكريون يسيطرون على السياسة وليس السياسة على العسكريين فلا يمكنني تصور تركيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي" .
تركيا والقضايا العربية الداخلية
تدخّلت تركيا لحل الصراعات العربية الداخلية بعد أن كانت تنأى بنفسها عن ذلك، وبعد التباعد النسبي بينها وبين العرب منذ الحرب العالمية الثانية عند اعتراف تركيا بإسرائيل، وانضمامها إلى حلف شمال الأطلسي وحلف بغداد. ونجحت تركيا أحيانًا في مهمتها الجديدة بسبب تطور اقتصادها ونجاح الديمقراطية في داخلها هذا فضلاً عن اهتمامها الكبير بشؤون الشرق الأوسط عبر الإعتماد على الإقتصاد المتبادل مع دوله، فازدادت نسبة تلك البلدان في التجارة الخارجية التركية 12٪، في حين ازدادت النسبة مع باقي المناطق من آسيا 26,5٪. وعمدت تركيا إلى إقامة التفاهمات الأمنية المشتركة وإجراء حوار استراتيجي من أجل التعايش بين الثقافات والأديان وكل ذلك بهدف أن يعم الإستقرار في تلك المناطق مما يسمح بأن تكون تركيا من أغنى البلدان الصاعدة. وقد اتهم البعض تركيا بأنها تحاول أن تشتري تذكرة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي عبر علاقاتها الوطيدة بالشرق الأوسط، بينما رأى آخرون أن غاية سياستها الحالية إعادة الهيمنة العثمانية على المنطقة. هدفت تركيا من خلال تحركاتها السلمية في الشرق الاوسط إلى تثبيت الاستقرار وإيجاد حلول للمشاكل المستعصية، كقضية فلسطين التي وقفت إلى جانبها ودعمتها بالرغم من تحالفها الإستراتيجي مع إسرائيل والذي اهتزّ في 31 أيار 2010 مع حادثة أسطول الحرية المتوجه إلى قطاع غزة لكسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل عليه، إلاّ أن هذه الأخيرة تعرّضت له في المياه الدولية، وقتلت تسعة ناشطين أتراك. على أثرها طالبت تركيا إسرائيل بالاعتذار الرسمي والتعويض على أهالي الضحايا، وسحبت سفيرها من تل أبيب، ومنعت تركيا أيضًا إسرائيل من المشاركة في التمارين العسكرية التي تجري فوق أراضيها، ومن تحليق طائراتها في أجوائها.
تأثيرانضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي
إن انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي سوف يكون له تأثيرات وإنعكاسات جيوبوليتيكية واستراتيجية واسعة على الفريقين كما على الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي وعلى روسيا والولايات المتحدة الأميركية. فالاتحاد الأوروبي سوف يتأثر بالتجمع السكاني الكبير لتركيا البالغ حوالى 80 مليون نسمة، إذ ستتوزع من جديد مقاعد البرلمان الأوروبي للدول الأعضاء الـ 28 لتحصل تركيا على 82 مقعدًا، أي حوالى 11،2٪ من نسبة الأصوات في عام 2015، وهو ما يتقارب مع ألمانيا، لكن من دون تمكّنهما من السيطرة في البرلمان في حال تحالفا؛ وإذا كان الاتحاد الأوروبي سيستفيد من اليد العاملة التركية، الكثيرة والمتدنية الأجر، إلاّ أن هذا الأمر سيوّلد تنافسًا لليد العاملة الأوروبية التي لن تكون راضيةً، ما يزيد من معدّلات البطالة. هذا بالإضافة إلى توقع انتشار السلع التركية الرخيصة في دول الاتحاد، مما سيؤثر على الصناعة المحلية في هذه الدول فضلاً عن تأثيره على مستوى الجودة؛ لكن تركيا ستشكّل أكبر أسواق أوروبا وستتيح للمستثمرين الأوروبيين القيام باستثمارات فيها، بخاصة في المناطق الكردية كما تسعى حكومة أردوغان؛ وستسمح تركيا بتعزيز العلاقات الإقتصادية بين أوروبا والعالمين العربي والإسلامي ما سيؤدي إلى تطور إجتماعي لدى هؤلاء. بالإجمال إن التأثير الاقتصادي للإنضمام سوف يكون إيجابيًا، لكن صغيرًا نسبيًا، لأن الاقتصاد التركي متواضع أمام الأوروبي، وهو يحتاج إلى دعمه في الاعتمادات المالية ولفترة طويلة من الزمن، كما أن تركيا ستحتاج إلى وقت طويل لتجعل القطاعات الزراعية أكثر تنافسية داخل السوق الأوروبية لتجنب فقدان إيرادات حقيقية للفلاحين الأتراك. وعلى تركيا تحسين الوضع الصحي الحيواني حسب مواصفات الاتحاد الأوروبي. هذا الأخير سيضمن أفضل قنوات تجهيز الطاقة عبر ترتيب مصادر المياه وتطوير البنية التحتية.
أما من الناحية الجغرافية، فإن حدود الاتحاد الأوروبي في حال انضمت تركيا إليه، ستصل إلى القوقاز وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان وإيران والعراق وسوريا ، الأمر الذي سيجعل الاتحاد الأوروبي يدخل بصورة أكبر في معمعة المشاكل المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط والقوقاز وينقل إليه بعض مشاكل الجوار بالرغم من الأهمية الجيوسياسية والجيواستراتيجية التي تتمتع بهما تركيا في تلك المنطقة. وهكذا سيلتصق الاتحاد الأوروبي بأكثر مناطق العالم خطورة، وهو بغنى عن مواجهة مشاكل معقدة بخاصة أنه ما زال يجد اليوم صعوبة في التغلب على النـزاعات القائمة داخل البلقان والتي تعتبر بحكم الهينة والتافهة لو قورنت بالحال في منطقة الشرق الأوسط، والدليل على ذلك فشل الاتحاد الأوروبي، عسكريًا وسياسيًا، في حلّ النـزاعات التي اندلعت في البوسنة والهرسك وكوسوفو. لقد جاءت التسوية من قبل حلف الناتو وتحت القيادة الأميركية. إن انضمام تركيا سيسمح لها أن تؤدي دورًا رئيسًا في سياسة الأمن والدفاع المشترك للاتحاد الأوروبي، لأنها بيّنت أنها تحتل مركزًا بارزًا في هذا المجال بفضل موقعها الجغرافي، الأمر الذي يجلب منافع لأمن الاتحاد وللعمليات الدولية في مناطق عديدة من الكونغو إلى غرب البلقان، ومن أفغانستان إلى السودان.
بالنسبة للقضية الفلسطينية، ستضطر أوروبا إلى حماية أفضل للشعب الفلسطيني لأنها ستصبح على حدود الصراع العربي (سوريا، لبنان وفلسطين) - الإسرائيلي، وبخاصة في ظل تشنج الأوضاع الديبلوماسية بين تركيا واسرائيل. وفي حال الإنضمام، على تركيا السيطرة على الحدود الشرقية لتجنب مشكلات حدودية، وعليها تطوير نفسها على الساحتين الإقليمية والدولية لكي تستطيع منح ذلك الدور أيضًا للاتحاد الأوروبي.
إن ترتيب الحدود الداخلية الجديدة للإتحاد سوف يمثّل تحديًا، ويتطلب استثمارًا مهمًا وتعاونًا وثيقًا بين تركيا والاتحاد الأوروبي في إطار قضايا تنظيم الهجرة والنـزوح، والملاجئ، والمستشفيات، ومكافحة منظمات الجريمة والإرهاب، وتجارة الأعضاء البشرية، والمخدرات، وتهريب السلاح وغيرها. وفي حال انضمامها، ستكون تركيا نموذجًا مهمًا للدول الإسلامية، تلتزم بمجموعة من المبادئ التي يعدّها الأوروبيون أساسية؛ مثل الليبرالية والديمقراطية، كاحترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية وحكم القانون مما سيدفع بهذه الدول إلى إيجاد حلول لبعض مشكلاتها على هذه الأصعدة ولاسيما في قضايا الأقليات الدينية، المذهبية، العرقية، وتداول السلطة، ومكافحة الفساد وردم الهوات الطبقية. غير أنها، ستحوّل القضايا الإسلامية فيها إلى قضايا أوروبية نظرًا لأن الديانة الرئيسة في تركيا هي الإسلام وإن كانت علمانية، فها هي قضية الحجاب قد أقرّت مؤخرًا في تركيا وسمح بارتدائه في الجامعات على عكس ما أوصى به الاتحاد الأوروبي.
تأثير عدم انضمام تركيا الى الإتحاد الأوروبي
ستفقد أوروبا صدقيتها في حال لم تنضم تركيا إليها بعد أن تنفذ جميع الشروط المطلوبة منها، عندها ستتأكد الاسباب الحضارية والدينية. لكن الخوف أن تعود تركيا إلى وجهها القديم الذي حاولت علمانية أتاتورك أن تعدّل من ملامحه في اتجاه ليس فقط أن يكون أوروبيًا بل ألاّ يكون أيضًا مسلمًا، بذلك تكون العلمنة مجرد أداة لنوع الهوية الإسلامية لتركيا، وليس رافعة باتجاه الاوربة والحداثة. وفي حال عدم انضمامها، ستجد تركيا نفسها من جديد خط تماس دينيًا مع أوروبا مما سيؤكد واقعية صدام الحضارات. من الممكن أن يخلق حاجزًا دينيًا خطيرًا أمام استمرار التواصل بين المجتمعات الأوروبية المسيحية وبين المجموعات الإسلامية فيها. أما على صعيد العالم الإسلامي، فإن رفض عضوية تركيا سيحدث نتائج عكسية وسلبية على محاولات إقامة ديمقراطيات وحريات بالمفهوم الغربي كما ستفقد أوروبا في ظل استمرار الصراع العربي-الإسرائيلي، تعاطف المسلمين الذين يقدّرون عاليًا موقفها الحالي المتمايز عن أميركا، وسيضعونها في الموقع ذاته مع واشنطن. ومن المتخوف أيضًا، أن تتجه تركيا في حال عدم انضمامها، إلى تأسيس عالم خاص بها، مع القوقاز وآسيا الوسطى، عبر إعادة إحياء فكرة الطورانية من جديد بعد ما سعى أتاتورك لطيّها عبر تطلّع تركيا الجمهورية إلى الحضارة الأوروبية. تعي تركيا اليوم أهمية آسيا الوسطى فيما تأخذ في الاعتبار وجود مصالح روسية وإيرانية وصينية في المنطقة. من هذا المنظار، اعتمدت تركيا سياسة براغماتية منذ سنة 2005، وهي تبني عليها عبر منح الأولوية بطريقة منهجية ومنظمة للتنمية الاقتصادية، وتفادي التلهّي باعتبارات محض سياسية. لكن هذا لا يعني على الاطلاق أن تركيا تنخرط مع جيرانها الشرقيين في آسيا الوسطى على حساب البقية. بل على العكس تمامًا. تهدف تركيا إلى أن تكون بلدًا مركزيًا عند تقاطع منطقة تحتل موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وقوة اوراسية أساسية داخل الاتحاد الأوروبي. ومن هنا تدرك انقرة أن عمليّتي الدمقرطة والاوربة اللتين ساعدتاها على تحقيق انجازات اقتصادية وسياسية لافتة في الاعوام العشرة الاخيرة، ساهمتا في توليد تأثيرات تجارية وديبلوماسية تمتد إلى علاقاتها مع جيرانها في آسيا الوسطى. جلبت تركيا الاستقرار الاقتصادي والسياسي الى ذلك الجزء الاساسي من العالم الذي يشكل رابطًا حيويًا بين أوروبا الغربية وآسيا.
تابعنا: