الحياة الاقتصادية في الكويت في فترة ما قبل النفط

موقع الكويت الجغرافي والتجارة الخارجية
تقع دولة الكويت في الركن الشمالي الغربي للخليج العربي ، تحدها الصحراء الواسعة من جهة الغرب ، وساحل الخليج من جهة الشرق ، ولما كان جون الكويت عبارة عن ميناء بحري مثالي في طبيعته وجغرافيته فقد دفع هذا أهل الكويت إلى الاتصال والتجارة مع أمم العالم كما جعل الكويت حلقة وصل بين الأمم التجارية كالهند وجنوب الجزيرة العربية وسكان الصحراء من أهل البادية. لذا نشأت الكويت وازدهرت كأمة بحرية تجارية رغم قلة المصادر الطبيعية فيها قبل اكتشاف البترول في أراضيها في الثلاثينات من هذا القرن.
التجارة وأهميتها
يمكن أن نقسم التجارة في الكويت قبل البترول إلى تجارة داخلية ، حيث يقوم سكان البادية بزيارة الكويت في قوافل منتظمة لشراء الضروريات من أرز وقمح وسكر وقهوة وأقمشة فتنتعش التجارة في الكويت وتزدهر ، وإلى تجارة خارجية وهي الاتصال بأمم بعيدة مثل الهند وسواحل أفريقيا الشرقية وجنوب شبه الجزيرة العربية.
أما التجارة الخارجية فهي قديمة جدا وقبل أن تنشأ الكويت ككيان سياسي ، فقد كانت جزيرة فيلكا (التابعة للكويت) حلقة وصل ومركزا تجاريا في ذلك الطريق الذي يصل اليونان بهذه المنطقة في الفترة الممتدة ما بين 400 إلى 100 ق.م. تقريبا كما كانت القوافل التي تبدأ من الكويت إلى حلب تعمل بصورة منتظمة حوالي عام 1750م ، وكان عدد الجمال يصل إلى 2000 جمل أحيانا ]كان بعضها للبيع والمتاجرة[ ، كما كانت تجارة نقل الخيول على السفن الشراعية إلى الهند في بداية القرن التاسع عشر مزدهرة وتدر على تجار الكويت الكثير من الأرباح.
كذلك كانت التجارة مع موانئ الخليج العربي القريبة مثل بوشهر والبحرين ومسقط وموانئ شط العرب توفر لأهل الكويت ضروريات المعيشة وتكسبهم أجورا نظرا لنقلهم البضائع التي كانت تصل الكويت بغرض إعادة التصدير غير أن حرفة نقل البضائع على السفن الشراعية الكبيرة ]السفارة[ إلى الهند وأفريقيا واليمن كان لها دور بارز في تجارة الكويت الخارجية ، ففي الموسم الملائم من كل عام ]في بداية شهر سبتمبر[ تبحر السفن الشراعية الكويتية إلى موانئ شط العرب وتشحن بالتمور وتتجه مباشرة إلى موانئ ساحل الهند الغربي ، فبعد التوقف في ميناء كراتشي لبيع جزء من التمر ، تبحر جنوبا إلى ميناء بوربندر أو إلى ميناء براول ، ثم إلى ميناء بومباي لكي تبيع ما تبقى لديها من تمر ، وتعد للإبحار جنوبا إلى ميناء كاليكوت ، حيث تشحن بالأخشاب المختلفة ثم تبحر مباشرة إلى ميناء مطرح العماني ثم إلى البحرين وأخيرا إلى الكويت.
عوامل ازدهار التجارة والنقل والملاحة البحرية في الكويت
1- حاجة البلاد إلى استيراد ما يلزمها من الخارج .
2- قرب الموانئ الشهيرة من الكويت .
3- وجود روح التعاون لدى الكويتيين لدرء كوارث الملاحة البحرية .
4- تشجيع الحكام الكويتيين على ارتياد البحار ونقل التجارة .
5- تقدم صناعة السفن .
6- ازدهار تجارة اللؤلؤ
7- توفر الروح والحاسة التجارية عند الكويتيين .
8- توفر المعلومات البحرية عند الكويتيين
ومن ذلك يتبين لنا أن هذه العوامل مجتمعة ساعدت على تقدم الملاحة والنقل البحري في مياه الكويت أولا ، ثم الانطلاق إلى الآفاق البعيدة وراء هذه المياه.
الأسواق القديمة
ومن هنا نأتي إلى ذكر طرق التجارة بين الكويت والعالم الخارجي ، ولقد اتصلت الكويت قديما عن طريق النقل البحري بالكثير من البلاد والمحطات التجارية المعروفة ، ومارست معها التجارة تصديرا واستيرادا ، ومن أهم طرق التجارة البحرية بين الكويت وجهات آسيا وأفريقيا ما يلي
1-خط الكويت – البصرة .
2- الخطوط البحرية بين الكويت وإيران .
3- الخط بين الكويت وموانئ شرق السعودية ( الإحساء ) .
4- خط الكويت – البحرين .
5- خط الكويت – عمان .
6- خط الكويت – عدن .
7- خط الكويت – الهند .
8- خط الكويت – شرق أفريقيا .
وكان من أهم السلع التجارية التي نقلها الملاحون من أهل الكويت :
الأسلحة والذخائر ، والزيوت والعطور والأقمشة والتبغ والتمور والشعير والأرز والقمح والبن والتوابل وبقية المواد الغذائية ، كما استوردت الحيوانات الحية كالإبل والأغنام بالإضافة إلى الأخشاب والصوف والجلود وغيرها من المواد ، بجانب تصديرها للخيول النجدية التي كانت تتجمع في قرية الجهراء بالكويت ، كما كانت الهند السوق الرئيسية لتجارة اللؤلؤ التي جذبت التجار والمشتغلين بتبادله في منطقة الخليج.
ميناء عدن
غير أن هناك من النواخذة ]قباطنة السفن الشراعية[ من يبحر بحمولة من التمر إلى موانئ ساحل اليمن الجنوبي مثل المكلا وعدن لبيعها هناك ، يبحر بعدها جنوبا على طول الساحل الأفريقي الشرقي إلى ميناء ممباسا ثم ميناء زنجبار حيث يعد سفينته للرحلة إلى دلتا نهر الروهيجي في تنزانيا لشراء حمولة من أعمدة "الجندل" التي كانت تستخدم في أسقف المنازل في مدينة الكويت القديمة ، ثم يعود آخر الموسم عن طريق ميناء مطرح العماني إلى البحرين ثم إلى الكويت منهيا بذلك رحلة تستغرق تسعة أشهر متصلة بعيدا عن الوطن.
ولقد برز التاجر حمد الصقر والتاجر محمد ثنيان الغانم وأخوه ثنيان كبعض من أشهر تجار التمور والأخشاب في الكويت ، ولقد بلغ حجم صادرات التمور إلى الهند بواسطة السفن الشراعية الكويتية عام 1863م ما قيمته 60 ألف روبية هندية ، كما بلغ ما صدرته الكويت من خيول عربية إلى الهند ما قيمته 240 ألف روبية.
أما في عام 1939م فقد كان هناك حوالي 106 سفن شراعية ]معدل حمولتها 225 طنا [ تعمل في التجارة مع الهند ، وكان إجمالي البضاعة التي نقلتها هــذه السـفـن في ذلك العام حوالي 77850 طنا ، كما بلغ إجمالي أرباح هذه السفن في ذلك العام ما قيمته 1,597,867 روبية هندية ، ولقد كان دخل الكويت من هذه الحرفة يمثل ثلث الدخل الإجمالي ، يشابهه في ذلك دخل التجارة مع عرب البادية ]وهي التجارة التي كانت تعرف في الكويت بالمسابلة[ والذي بلغ ثلث الدخل الإجمالي كذلك ، وأما الثلث الباقي فهو الدخل الذي يرد للكويت نتيجة لبيع اللؤلؤ في أسواق الهند والبحرين قبل أن يجد طريقه إلى أسواق أوروبا.
أما صادرات الكويت من اللؤلؤ إلى الهند عــام 1925 فـقـــد كانت قيمتها 4,470,000 روبية هندية ، وهذا المبلغ لا يستهان به إذا مـا علمـنـا أن إجمالي التصدير من الكويت في العام ذاته بلغ حوالي 8,205,000 روبية هندية ، ولقد برز من تجار اللؤلؤ في الكويت كل من الطواش هلال المطيري والطواش شملان بن علي والطواش ابراهيم المضف ، أما في الهند فقد برز كل من التاجر عبد اللطيف العبد الرزاق والتاجر جاسم الإبراهيم وعبد الرحمن الإبراهيم أما في عهد الشيخ مبارك الصباح في حوالي العام 1915م فقد كان حاصل الغوص على اللؤلؤ ما قيمته 6 ملايين روبية ، وكل هذا ساعد على اتصال الكويت بالتجارة الخارجية العالمية حتى نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914م ، وضرب الإنجليز حصارا على الكويت لمنع وصول صادراتها إلى حدود الدول العثمانية ، فهبطت أسعار السلع ، وخسر تجار الكويت مبالغ كبيرة في تجارتهم ، كما رافق ذلك هبوط في أسعار اللؤلؤ نتيجة لقلة الطلب عليه ، كما بدأ اللؤلؤ الصناعي الياباني ينافس اللؤلؤ الطبيعي ، ففي عام 1927م هبط حاصل بيع اللؤلؤ في الهند إلى 1,380,000 روبية ، كما هبط عدد سفن الغوص من 1000 سفينة ]أيام ازدهار هذه الحرفة[ إلى حوالي 300 سفينة ، فزادت البطالة وقلت فرص العمل لسكان الكويت وما جاورها من بادية ، ولم تنشب الحرب العالمية الثانية إلا وقد أفلس معظم تجار اللؤلؤ في الكويت والخليج. تأتي بعد ذلك من ناحية الأهمية الاقتصادية حرفة "المسابلة" وهي كلمة تعني اقتراض أهل البادية بضائع وسلعا من التجار في مدينة الكويت ونقلها عن طريق القوافل الصحراوية إلى بادية حائل ونـجـد والقـصيــم لبيـعهـا هناك ، ثم العودة في السنة التالية لدفع ثمنها للتاجر ، ثم اقتراض سلع أخرى من التاجر ، ودفع ثمنها في العام الذي يليه ، ولقد كانت هذه الحرفة تمثل ثلث الدخل الاقتصادي الكويتي آنذاك نظرا لموقع الكويت الجغرافي ، ولاتصال تجارها بالهند ، و لحسن معاملتهم لهؤلاء الأعراب المسابلين.
ولا يتسع المجال هنا للتفصيل في أهمية هذه الحرفة بالنسبة لتجار الكويت ، يكفي أن نذكر أنه منذ عام 1922م وحتى نهاية الثلاثينيات أصاب الكويت وتجارها أضرار اقتصادية كبيرة ، لحقت بالأعراب المسابلين أنفسهم ، ولم تتوقف المسابلة نهائيا إلا بعد تصدير البترول في كل من الكويت والمملكة العربية السعودية ، حيث لم يجد الأعراب المسابلون حاجة إلى السفر إلى الكويت للحصول منها على السلع التي يحتاجونها بعد أن توافرت لهم في مدنهم وفي قراهم المنتشرة في صحراء نجد وما حولها. وما كادت تباشير اكتشاف البترول في الكويت تظهر حتى قامت الحــرب العـالمية الثانية عام 1939م فتوقف التنقيب عن البترول في الكويت ، ولم يستأنف إلا بعد انتهاء هذه الحرب ، فكانت الكويت في ضائقة مالية قاربت حد الإفلاس. ولولا صبر أهل الكويت واحترامهم للقانون وحسن تصرفهم خلال هذه المحن لما كان في وسع هذا البلد أن يحافظ على وحدته وسلامته واستقلاله ، حتى شاء الله أن يبدأ تصدير البترول عام 1946م ، فيضع حدا لتلك الحرف التي مارسها أهل الكويت طيلة حياتهم السابقة ، فتوقفت حرفة الغوص على اللؤلؤ ، ثم المسابلة ثم السفر الشراعي في نهاية المطاف ، ولم يبق سوي تصدير البترول إلى أسواق العالم كحرفة أساسية يعتمد على دخلها سكان الكويت اليوم.
نشاطات بحرية أخرى
إضافة إلى حرفة صناعة السفن وحرفة الغوص على والقطاعة وصيد الأسماك والسفر الشراعي إلى الهند وأفريقيا . امتهن أهل الكويت حرفا أخرى مثل نقل الصخور البحرية إلى المدينة لبناء المنازل ، ونقل البضائع من البواخر إلى الميناء بواسطة السفن الشراعية الصغيرة مثل "التشاله" و "حمال باشي" ، وكذلك نقل المياه العذبة من شط العرب إلى مدينة الكويت بواسطة سفن نقل الماء ، هذا بالإضافة إلى العديد من الحرف التي كان السكان يمارسونها في داخل المدينة مثل الحدادة وصياغة الذهب وغيرها أما حرفة نقل مياه الشط إلى الكويت فقد بدأت في عهدالشيخ مبارك الصباح في حوالي العام 1907م ، فبعد أن طرأت فكرة لدى أحد أصحاب السفن الكويتية للذهاب بسفينة إلى شط العرب وملئها بالماء ، وجد أهل الكويت أنها فكرة عملية ، فتم صنع " بوم الماء " ، وهو سفينة من نوع البوم متوسطة الحجم داخلها خزانات خشبية محكمة الصنع تعبأ بمياه الشط العذبة ، ثم تبحر هذه السفن الشراعية مسرعة إلى الكويت حيث ترسو في " النقع " ، ولقد خدمت هذه السفن الكويت وأهلها خدمة جليلة وبخاصة في أشهر الصيف الحارة ، فقد كان هناك ما يقارب أربعين سفينة من هذا النوع تجلب مياه الشط إلى الكويت بمعدل 6 سفن في اليوم ، ولم تتوقف هذه السفن عن العمل إلا في عام 1953م حين بدأت محطة تصفية مياه البحر عملها في الكويت فاستغنى عن هذه السفن التي كانت أحد أبرز مظاهر الحياة الساحلية في الكويت القديمة .


التعليقات
لا يوجد أي تعليقات على هذا المقال بعد.