الاستقرار السياسي في الكويت وتداعيات الربيع العربي

لم يكن تأكيد سمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح عفوياً او من قبيل المجاملات الدبلوماسية حين قال بأن مجلس التعاون لدول الخليج العربية يعتبر إحدى أهم المنظمات الإقليمية التي تنطلق في عملها من أهداف وغايات مشتركة هدفها تحقيق مزيد من الأمن والاستقرار والرفاه لدول والعالم وشعوبه.
وقد أوضح سموه في مقابلة وكالة الأنباءالكويتية «كونا» بمناسبة انعقاد الدورة الـ 30 للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي استضافتها الكويت أن «الأهمية المتزايدة لدول مجلس التعاون في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والموارد الطبيعية الضخمة التي حباها الله بها وفاعلية دول مجلس التعاون في تحريك وتنشيط الاقتصاد العالمي أوجد رغبة من جميع المنظمات الدولية والإقليمية للتعاون مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية».
وحين أشاد سمو أمير الكويت بدور مجلس التعاون في تحقيق الأمن والاستقرار السياسي للمنطقة التى كانت ولسنوات طويلة عرضة للتهديدات الخارجية كان يضع النقاط على الحروف ومذكراً الجميع بأن لدول الخليج العربي ومن ضمنها الكويت طبيعتها السياسية والاقتصادية الخاصة والمتميزة ، مشيرا إلى أن مجلس التعاون كان متناغما مع أهدافه وعكس تطلعات شعوبه ، وهذا بالضبط ما نقصده في هذه المقدمة حول موضوعنا لهذا العدد . وهو ما يجيب ايضا على التساؤلات والتوقعات التي انتشرت وتنتشر حول مدى تأثر الدول الخليجية بالأحداث السياسية والثورات الشعبية التي تشهدها دول المنطقة فيما يعرف بالربيع العربي.
وفي سؤال لسموه حول أهمية الاتفاقية الاقتصادية التي تمثل خريطة طريق لدول المجلس نحو الاندماج والتكامل الاقتصادي، وكيف يرى قمة الكويت كمحطة في الطريق نحو الاندماج والتكامل الاقتصادي، أجاب سمو الأمير: إن أحد أهم أهداف قيام مجلس التعاون هو تحقيق الإنجازات التي تمس حياة مواطني دول المجلس اليومية بما يوفر له الوصول إلى مرحلة المواطنة الخليجية في كل مجالات التعاون بين دوله ويحقق له آماله وتطلعاته في التنمية والبناء وقد مثلت الاتفاقية الاقتصادية والتعديلات التي أدخلت عليها عبر الـ 30 سنة الماضية إستراتيجية اقتصادية واضحة نحو ترابط وانفتاح اقتصادات دولنا على بعضها البعض وعلى العالم الخارجي، وقد أنجزت الكثير من هذه الخطوات الرئيسة نحو هذا الاتجاه فهناك اتفاقية الاتحاد الجمركي واتفاقيات حرية انتقال الرساميل والعمالة الوطنية واتفاقية حق التملك العقاري وتملك الأسهم والسندات وتأسيس الشركات، كل هذا يمثل خطوات أساسية كما أن اتفاقيات التجارة الحرة الموحدة لدول المجلس مع الشركاء التجاريين الرئيسيين سواء دول أو تكتلات سياسية واقتصادية هي توجهات تعزز من موقعنا التجاري والاقتصادي في العالم.
وهنا لا بد من طرح السؤال بشكل مباشر، هل دول الخليج العربي ومن ضمنها الكويت بعيدة عن تداعيات ثورات العربية ؟
ان ما نشهده الان وما يؤكده واقع الأحداث هو ان دول الخليج العربي ما زالت بعيدة عن تأثير اعاصير الثورات العربية ، باستثناء ما حدث في مملكة البحرين والتي يمكن القول بثقة انها احداث مختلفة تماما عن أحداث وتداعيات الربيع العربي والتي اطاحت بالعديد من أنظمة الحكم في تونس ومصر وليبيا ولا تزال تعصف في دول كسوريا واليمن .. وتظهر بشكل او بآخر في معظم الدول العربية.
الاستقرار الاقتصادي – الكويت نموذجاً
لا ينكر احد ما للاقتصاد والاستقرار الاقتصادي من اهمية بالغة في الحفاظ على الامن الاجتماعي وما يتبعه بالضرورة من استقرار سياسي. وحين ننظر لدولة الكويت كنموذج للدولة النفطية المستقرة فلا بد من التركيز على عوامل عديدة سوف تساعد الباحث في الوصول الى اجابات وافية حول ما تتميز به هذه الدول من استقرار نسبي كبير.
ارتفاع التصنيف الإئتماني كمقياس للاستقرار رفعت وكالة ستاندرد اند بورز تصنيفها الائتماني بالعملتين المحلية والاجنبية لدولة الكويت من «-AA” الى “AA”، كما اكدت التصنيف الائتماني قصير المدى للبلاد عند “+A-1 “ مع نظرة مستقبلية مستقرة.
وقالت الوكالة ان اجراءات التصنيف هذه يدعمها مستوى مرتفع لنصيب الفرد من اجمالي الناتج المحلي ووضع قوي في ما يتعلق بالميزانين المالي والخارجي، وهي امور باتت تحمل وزنا اكبر بموجب مراجعة قامت بها “ستاندرد اند بورز” اخيرا لمعايير التصنيف السيادي.
واشارت الوكالة الى ان المالية العامة للكويت تبقى قوية الى درجة استثنائية والميزانية العامة للحكومة تسجل فوائض ثنائية الرقم بشكل متواصل منذ نحو عقد تقريبا. ونقدر ان ميزانية السنة المالية 2010 - 2011 التي انتهت في 31 مارس 2011 حققت فائضا يصل الى 20 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي بعد تحقيقها 28 في المئة في السنة المالية السابقة لها”.
وقالت ان “ذلك يأتي رغم زيادة نسبتها تزيد على 20 في المئة في الانفاق الحكومي، نصفها كان عبارة عن دفعة واحدة تمثلت بالمنحة الاميرية بمقدار الف دينار لكل مواطن لمناسبة الاعياد الوطنية. وتأتي عائدات الميزانية بمعظمها من عوائد النفط والاستثمار والتي نقدر انها كانت عند 95 في المئة من عوائد الميزانية التي انتهت في 31 مارس 2011”.
وتابعت “ستاندرد اند بورز” ان “الفوائض الحكومية بقيت كبيرة. وسياسة الحكومة تقضي بوضع 10 في المئة من العوائد الحكومية في صندوق الاجيال والفائض الباقي في صندوق الاحتياطات العامة اللذين تديرهما الهيئة العامة للاستثمار. وبالتالي فان الحكومة راكمت وضعا قويا في ما يتعلق بصافي الاصول والذي قدر عند 211 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي في نهاية 2010”.
واوضحت الوكالة انه “نتيجة لاستمرار اسعار النفط المرتفعة والزيادة التدريجية المتوقعة للانتاج، فاننا نتوقع ان يتخطى معدل الفوائض المالية سنويا الـ 25 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي في السنوات الاربع المقبلة. وسينجم عن ذلك ارتفاع صافي الاصول الحكومية الى 235 في المئة من اجمالي الناتج المحلي بحلول العام 2014”.
تداعيات الثورات العربية
اشارت «ستاندرد اند بورز» الى ان «تداعيات الاحداث السياسية الاخيرة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا على الكويت تبدو طفيفة. وفي رأينا ان ذلك يمكن تفسيره جزئيا بكون المجتمع الكويتي اكثر انفتاحا، وبالتحديد في ما يتعلق بحرية التعبير والمشاركة السياسية والمحاسبة السياسية، بالمقارنة مع معظم النظراء الاقليميين للكويت».
وقالت الوكالة «كانت هناك تظاهرات احتجاج متكررة وصغيرة الحجم سواء لدعم موقف مجلس الامة ضد الحكومة او لدعم المسلمين الشيعة في البحرين. وجرى التساهل عموما من قبل السلطات ازاء التظاهرات التي بقيت سلمية ولم يكن هناك اي تحد لدور الأمير الذي يتمتع عموما بشعبية او للاسرة الحاكمة».
في الكويت مظاهرات ايضاً
تزايد الجدل في الأسابيع الماضية حول توقف قطار الربيع العربي في محطة دول الخليج, وتحديدا في الكويت, حيث لم تعد المسيرات والمظاهرات والاحتجاجات تتوقف, بل تحولت إلي ظواهر سياسية واجتماعية جماهيرية, تختلف عن الديوانية التقليدية, وترفع فيها مطالب إصلاحية, وتبعث رسائل سياسية محددة إلي نظام الحكم, علي نحو ما حدث في جمعة الغضب27 مايو2011 وجمعة الشباب الحقيقة في16 سبتمبر ومهرجان ساحة الإرادة في21 سبتمبر, وشارك فيها تجمعات سياسية وكتل برلمانية وحركات شبابية مثل شباب السور الخامس و»كافي», وكذلك حركات احتجاجية مثل انهض ونريد وأحزاب غير قانونية وغير معترف بها كحزب الأمة. وكان القاسم المشترك بين مطالب هؤلاء المحتجين هو الاستياء من الأوضاع القائمة في الكويت, وضرورة تغييرها لبلوغ كويت الغد, حتي لا يرتفع سقف المطالب, مثلما حدث مع الدول العربية التي شهدت ثورات شعبية.
وهنا يمكن ملاحظة تأثر جموع المحتجين في الكويت بـعدوي الحالة الثورية والانتفاضات الشعبية والحركات الاحتجاجية القائمة في المنطقة العربية, من مراكش إلي المنامة, وبخاصة مع بدء الاستجابة لمطالب المحتجين. ورغم التشابه النسبي للظروف في الحالات العربية المختلفة إلا أن هذا التشابه لا يعني بأي حال نجاح الاستنساخ للتجربة في الكويت. فالبيئة الحاضنة تنطوي علي قدر كبير من الاختلاف, وهو ما يجعل التغيير في إطار النظام القائم وليس طرح بدائل مغايرة له, وهو ما عبر عنه النائب وليد الطبطبائي بالقول أن نسائم الربيع العربي تهب علي الكويت, ولكن ليس لإسقاط النظام بل لإصلاحه. وبالتالي, فإن هناك فارق خصوصية وليس فارق توقيت بين الكويت وغيرها من الدول, حيث أن لكل بلد ربيعه الخاص.
ووفقا لوجهة النظر هذه, فإن نظام الحكم في الكويت, لم يحصد من الربيع العربي مكاسب أو خسائر فيما يخص شرعية وجوده واحتمالات بقائه. فالكويت محصنة ضد الثورة لأن مواطنيها مهما عارضوا نظام الحكم, فإن معارضتهم لن تتعدي المطالبة بالإصلاح لعدم استعدادهم للدخول في مغامرات لايتوقع عواقبها. لكن ذلك التوجه لا يعني الجمود وإنما يستلزم العمل علي إحداث تراكم في المكاسب الإصلاحية التي تحققت علي مدي العقدين الماضيين.
المطالب الشعبية في الكويت
تمثلت محاور القضايا التي تركزت عليها شعارات المحتجين, بحيث تنتقل الكويت علي أساسها إلي حالة ربيع عربي دائم, فيما يلي:
أ- ترسيخ دعائم الإمارة الدستورية. تطرح بعض القوي السياسية والتيارات الفكرية دعوة لبلورة إمارة دستورية في دولة الكويت, لكن هناك إشكالية رئيسية وهي غياب تحديد واضح ما إذا سوف تكون هذه الإمارة علي شاكلة النموذج البريطاني في أوروبا أو النموذج الهندي في أسيا أو نموذجي المغرب والأردن في المنطقة العربية. إن الكويت تقع في منطقة وسط بين الملكية الدستورية الكاملة والحكم الأميري المطلق, وهو ما يطلق عليه نموذج بين بين. وفي هذا السياق, كان المحور الأساسي في شعارات المحتجين إسقاط حكومة الشيخ ناصر المحمد, بحيث تكون منتخبة من قبل المجتمع الكويتي, ويكون رئيسها من خارج الأسرة الحاكمة آل صباح التي تحكم الكويت منذ أكثر من مائتين وخمسين عاما, وهو ما برز في شعارات الشعب يريد إسقاط الرئيس والشعب أعلن مطلبه..حكومة منتخبة وحدة وحدة وطنية.. حكومة شعبية, حرية..حرية..حكومة شعبية, وأرحل.. أرحل يا ناصر, ما بني نشوفك باكر. ويستند هؤلاء إلي أن المطالبة بذلك هي حق دستوري لأن الدستور لم يشترط أن يكون رئيس الوزراء من الأسرة الحاكمة.
ب ـ حل مجلس الأمة الحالي, هناك دعوة أطلقها المحتجون تتعلق بحل مجلس الأمة وإجراء انتخابات مبكرة, وهو ما اتضح جليا في شعارات نطالب بحل مجلس الأمة دستوريا, لأنه يعبر عن رأي الأمة وتطلعاتها ومجلس أمة ساقط. وقد تزايدت هذه الدعوة بعد اكتشاف تضخم الحسابات المصرفية لتسعة من النواب في المجلس بسبب إيداع أموال يفترض أنها غير قانونية. وفقا لما تطرحه وسائل الإعلام ونواب المعارضة فإن الأموال المقدرة بـ350 مليون دولار تم منحها للنواب مقابل تصويتهم علي ملفات أساسية, وهو ما يثير تساؤلا محوريا: هل يعقل أن الشعب الكويتي سيقبل أي تشريع من مجلس يضم نوابا متهمين في الذمم المالية الخاصة بهم, بما يعطل أو يلغي الدور الرئيسي للبرلمان المتمثل في الرقابة علي عمل الحكومة ومساءلتها ومحاسبتها, لاسيما أن كل الدراسات والتقارير التي تصدرها المنظمات الدولية المختصة حول الفساد تقول أن الفساد جزء لا يتجزأ من تركيبة النظم السلطوية, أما في الدول الغربية فنجد أن نسبة الفساد أقل لأسباب عدة, أهمها الديمقراطية والمحاسبية, وهو ما قد يشكك في تطور التجربة الديمقراطية في الكويت, حيث شهدت البلاد علي مدي السنوات الأربع الماضية استقالة ست حكومات متتالية برئاسة الشيخ ناصر المحمد نتيجة إصرار نواب في مجلس الأمة الكويتي علي استجواب الوزراء, فضلا عن حل مجلس الأمة ثلاث مرات, مما أدي إلي حالة من عدم الاستقرار السياسي في البلاد.
ج ـ مواجهة جذور الفساد. برز الاتجاه الداعي إلي محاربة الفساد في شعار المحتجين حيث أصبح الفساد أحد العناصر الرئيسية في التأثير سلبا علي مسار التطور السياسي في الكويت وذلك من خلال إفساد بعض أساليب الممارسة الديمقراطية كالانتخابات النيابية والعملية التشريعية وأداء الأجهزة التنفيذية, فيما يطلق عليه بـ فساد التربح, وهو ما أوضحته قضية الإيداعات المليونية. وقد تم التعبير عن ذلك في عبارات من قبيل الفساد بلغ حده ونواجه بيع الكويت وشراء النواب بالجملة والشعب يريد إسقاط الفساد وإسقاط الراشي والمرتشي وضد فلسفة الحكومة مالي وأنا حر فيه وفزعتكم مطلوبة ضد الفساد والعبث بمقدرات وطنكم ونطالب بإغلاق قنوات الفساد ومحاسبة سراق المال العام ووقف الرشوة الخاصة والمناقصات.
كما تطرقت الشعارات إلي تصاعد تأثير المال السياسي في الانتخابات البرلمانية الماضية ويتوقع استمرار هذا الملمح في الانتخابات القادمة وهو ما برز في شعارات مثل نريد محاكمة من قدم الرشوة واشتري مجلس الأمة والمجلس الحالي لا يمثل الشعب.. بل يمثل من اشتراه بالرشوة ولن نطوي الملف ولن نفتح صفحة جديدة قبل محاكمة المفسدين خلف القضبان في المحاكم وكل أموال الشعب سيعيدها الشعب وسنفتح كل الملفات. ولم تكن هذه الشعارات عفوية أو تلقائية, بل هي أقرب إلي الواقع حيث تراجع ترتيب الكويت في مؤشرات الفساد, وفقا للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ومنظمة الشفافية الدولية ومؤشر مدركات الفساد ومؤشر دافعي الرشوة والتقرير العالمي عن الفساد. ومن هنا, جاء قرار مجلس الوزراء إنشاء هيئة مكافحة الفساد( بشرط تضمنه كشف الذمة المالية) تمهيدا لعرضه علي مجلس الأمة.
د- اعتماد نظام الدائرة الانتخابية الواحدة. يدور جدل واسع النطاق داخل الكويت في المرحلة الحالية حول مسألة مدي دستورية اعتبار الكويت دائرة انتخابية واحدة بدلا من خمسة دوائر انتخابية المطبق حاليا, بحيث يتم اختيار النواب علي أساس الأفكار والبرامج وتتراجع الولاءات القبلية والنزعات الطائفية كمحددات حاكمة من جانب المرشح الكويتي في اختياره للنائب, وهو ما برز في شعارات حكومة منتخبة ودائرة واحدة والدائرة الواحدة ونظام القوائم النسبية ضد الطائفية والقبلية. فضلا عن ذلك برزت في شعارات المحتجين المطالبة بتشكيل هيئة مستقلة للانتخابات وعدم إشراف الحكومة عليها.
خلاصة القول إن التحدي الذي يواجه الكويت حاليا هو استيعاب رسالة الربيع العربي الذي يطرق أبواب ونوافذ دول المنطقة, من خلال إعطاء الديمقراطية الاولوية لكن في إطار من الخصوصية بما يجنبها الهزات الحادثة في بنية النظم السياسية وأجهزتها الأمنية وأوضاعها الاقتصادية وهياكلها الاجتماعية من جانب. كما أن وصول قطار الربيع العربي إلي الكويت مرهون بمواجهة احتكار السلطة والاستئثار بالثروة وإنهاء ملف الفساد من جانب أخر, إلا أن قوي البقاء والاستمرار تبدو أقوي من قوي الإصلاح والتغيير, وهي المعضلة الحقيقية التي يتعين التعامل معها.
التأزيم السياسي .. مكمن الخطر الحقيقي
التأزيم السياسي من المرجح ان يعوق تنفيذ خطة التنمية الحكومية والتي رصدت لها استثمارات بنحو 100 الى 125 مليار دولار والتي من شأنها ان تحول الكويت الى مركز تجاري ومالي عالمي. وتهدف الخطة الى تقوية دور القطاع الخاص والذي يمثل ربما ربع الناتج المحلي الاجمالي وحصة اقل في توظيف الكويتيين. واشارت وكالة « ستاندارد اند بورز» الى ان المخاطر الجيوسياسية التي تؤثر على الكويت مازالت عالية. هذه المخاطر مع ذلك، تم التخفيف منها جزئيا عبر تحالفات دولية جيدة واستقرار اجتماعي محلي نسبي.
وقالت «ستاندارد اند بورز» ان تحسنا في العلاقات بين الحكومة والبرلمان مع توافر اجماع سياسي يساعد في تسريع الاستثمارات المحلية والاجنبية، يمكن ان تدعم تنويع الاقتصاد على الأمد البعيد والتي من شأنها ان تنعكس ايجابا على التصنيف في نهاية المطاف. وذكرت انه في المقابل، يمكن للجدارة الائتمانية للكويت ان تقع تحت الضغط اذا كان هناك تدهور في الاستقرار السياسي المحلي، تصعيد في المخاطر الجيوسياسية مثل التدهور في العلاقات مع ايران أوالعراق، او تآكل ملحوظ ومستمر لوضع الأصول الحكومية.
الموقف الكويتي من الثورات العربية
هناك من يعتقد بأن وقوف الكويت إلى جانب بعض الشعوب المنتفضة سيكلف الكويت الكثير على صعيد علاقاتها العربية مما يؤثر سلبا على مصالحها. ويبدو هذا الكلام صحيحا إذا ما وضعناه في إطاره العربي العرقي البحت والضيق والتاريخي، وربطناه بالموقف الجماعي القومي الإقليمي المشترك، لكن العالم راهنا لا يعيش في ظل مثل تلك التصنيفات، ولا ينقسم إلى أقاليم عرقية، ولا ينتمي إلى مجاميع قومية، ولا يلعب معيار العرق دورا في تشكيل السياسات والمواقف والأدوار والقوى، مثلما كان حاصلا في فورة القومية العروبية بمنتصف القرن المنصرم، بل تغيّرت لعبة المصالح بالكامل، وباتت تعتمد على صور جديدة، تشكّلها تغيّرات الحياة على مختلف الأصعدة. وقد ذاقت الكويت الأمرّين من المعيار القومي العروبي في تجربة الغزو العراقي، وعليها أن تلتفت إلى مصالحها بصورة أشمل وأحدث، وفق المعايير الجديدة التي تسيطر على المصالح الدولية المشتركة، والتي تلعب مفاهيم الديموقراطية وحقوق الإنسان دورا رئيسيا فيها.
ويبدو، بالتالي، أن مصلحة الكويت لا يمكن أن تسيّرها المصالح القومية المجردة، التي تتحكّم فيها السياسات الضيقة للجوار الإقليمي، في مواقفها وعلاقاتها مع انظمة الحكم العربية على اختلاف انواعها. وتأثير ذلك في تشكّل أطر المصالح وصور العلاقات، خاصة وأن الكويت، بحكم حجمها وفي ظل موقعها الجغرافي وطبيعة مواردها، لا تستطيع أن تتحكم بمصالحها بعيدا عن نسق ما يريده المجتمع الدولي وما تحدده المعايير الحديثة، وإذا ما تجاهلت تلك المعايير، فإنها ستخسر الكثير، خاصة في ظل وجودها وسط واقع خارجي مهدد بالانفجار أو التحوّل أو التغيير في أية لحظة. فديناميكية الشعوب العربية في التغيير، والتي تلقى رعاية متباينة من الغرب، تمثّل اختبارا حقيقيا لمواقف جميع الأنظمة بشأن كيفية التعاطي معها، وهو ما قد يحدد بالتالي مدى اقتراب أو ابتعاد مواقف كل نظام، ومن ضمنها النظام في الكويت، من مطالب تلك الشعوب، ومن إدراك المعايير التي تسيّر الحياة في الوقت الراهن، ومن التزامها بواقعها المحلي، حيث في الحالة الكويتية هو واقع يتعهد الالتزام بالديموقراطية نهجا للحياة.
ليس المطلوب أن تصبح السياسة الخارجية للكويت بعيدة عن الواقعية، بحيث تضحي في بعض مصالحها الحيوية في مقابل الوقوف إلى جانب الديموقراطيات العربية، وأن تساند الحركات التغييرية دون الالتفات إلى تلك المصالح. كما لا يمكن أن تصبح السياسة الخارجية منعزلة عن الواقع الدولي بمعاييره الحديثة، أو أن تتبنى مواقف تسيء إلى ديموقراطيتها الداخلية. في حين كان على السياسة الخارجية أن ترسم سياساتها وتتبنى مواقف استنادا إلى «الكلفة الإستراتيجية»، ولابد لهذه الكلفة أن تراعي المصلحة المتعلقة بالشأن المحلي فيما يتعلق بالحياة الديموقراطية، وأن تلتفت إلى المعايير المسيطرة على المصالح الدولية والتي تنظم الحراك السياسي الدولي والمصالح العالمية، في توازن يراعي موضوع المصالح انطلاقا مما يسيطر على الواقع الحديث من أسس ومعايير ومنطلقات، لا إنطلاقا من صور القومية العروبية الإقليمية الماضوية. لذا، كما يقول روبرت كاغان، الباحث البارز في معهد بروكنغز، فإنه «نادراً ما تتصرف الدول استناداً إلى مبادئها حصراً أو بناءً على مصالحها الشخصية حصراً. كذلك، لا يمكن تحديد المصالح الوطنية بوضوح تام، فيُعتبر الحصول على النفط مصلحة عليا مثلاً، لكن ينطبق الأمر نفسه على ترويج بعض المبادئ مثل الديمقراطية.
لا يمكن وقف عجلة التغيير
في حديثه لشبكة بلومبيرغ الإعلامية شدد رئيس مركز فهد السالم لحوار الحضارات والدفاع عن الحريات الشيخ فهد سالم العلي على أن دعوات التغيير والمطالبة بالديمقراطية والحرية، أشبه بكرة متنقلة لن تستثني أحداً في المنطقة، مؤكداً أن الكويت التي سلكت الطريق الديمقراطي منذ خمسة عقود من الزمن «هي إمارة دستورية يمكن أن تكون نموذجاً يحتذى لمنطقة الشرق الأوسط والخليج». وأعرب الشيخ فهد في مقابلة أجرتها شبكة «بلومبيرغ» الإعلامية في واشنطن عن اعتقاده أن «الكويت لا تزال بحاجة إلى المزيد من التغيير والإصلاح»، خصوصاً لجهة الشفافية في الحالة المالية لموظفي الحكومة والأسرة الحاكمة. وقال: «نحن نعاني من ضعف شديد في محاربة الفساد ، كما أن القوى المستفيدة من الفساد تريد تغيير الدستور، لكي تحد من الديمقراطية «
ويقول الباحث فاخر السلطان في مقالة له بعنوان « الربيع العربي والسياسة الخارجية الكويتية « إن تطور الأحداث على الساحات العربية، وتسابق الانتفاضات الساعية إلى الديموقراطية، هو في صالح جميع شعوب المنطقة، ومن ضمنها الشعب الكويتي، في سعيها للعيش بصورة كريمة، من خلال المطالبة بمزيد من الحريات واحترام حقوق الإنسان ومناهضة جميع صور السيطرة والوصاية على مقدراتها. غير أن ذلك التطور، من جانب آخر، يناهض مصالح الأنظمة القابعة في سكونها التاريخي والمتمسكة بمصالحها الفئوية الضيقة، وأي مراعاة، كويتية، لتلك المصالح على حساب حقوق الشعوب، من خلال تبني سياسة الوقوف إلى جانب الأنظمة الدكتاتورية في مواجهة الحركات التغييرية، من شأنه أن يلحق ضررا بالأنظمة ذات الديموقراطيات النسبية، كالديموقراطية الكويتية، بدرجة لا تقل عن الضرر الذي ستلحقه بالأنظمة غير الديموقراطية أو الأنظمة المستبدة، حيث سيعري ذلك الكثير من الصور غير الديموقراطية المختفية خلف دعاوى الممارسة الديموقراطية.
الخط الفاصل بين الوعي السياسي والفوضى
أحياناً يصبح الخط الفاصل بين الواقعية في السياسة والنزعات الفوضوية المغامرة خيطاً رفيعاً. فالنهج الأول غالباً ما يوصل إلى النتائج المرجوة، اصلاحاً في مؤسسات البلد، وتطويراً في أدائها، بينما نهاية النهج الثاني طريق مسدود، سلبي النتائج، مسيء للعملية الاصلاحية، لأنه يغرقها بالشعارات ويحرفها عن الأهداف المرجوة.
لقد تفتَّحت أزهار الربيع العربي، وقامت الانتفاضات الشعبية العارمة التي استحقت الدعم والتأييد ضد أنظمة حكم قمعية مستبدة وفاسدة، حكمت بالحديد والنار والتخويف والسجون والقتل والتشريد، وأبقت شعوبها في براثن التخلف، وحرمتها من التنمية والتطور، وسمَّرت بلدانها خارج العصر، وأقامت أنظمة دكتاتورية تكرّس عبادة الفرد، وتصادر الحريات على أنواعها، وتسخّر القضاء لحسابها، وأجهزة الدولة لحمايتها، وتخنق كل صوت معارض أو حتى معترض. بل لم تتردد هذه الأنظمة في ذبح شعوبها، واحتكار خيرات بلدانها لحساب فئة قليلة، فعاثت فيها فساداً فوق فساد، وتمسكت بأولوية الأمن لنفسها ولسيطرتها. لقد كانت هي في مكان والشعوب في مكان، فكان تفجر ثورات شعوبها ضدها حتمياً يفرضه منطق التاريخ ومجراه.
وهنا يمكن القول بثقة بأن هذه الأوضاع ليست اطلاقا مشابهة للوضع في الكويت . اذ لا يمكن لأحد ان يدعي ان كواهل الشعب في الكويت تنوء كواهل بأعباء الاضطهاد والظلم والقهر والحرمان من مقومات الحياة الإنسانية، صحة، وتعليماً، وسكناً، وعملاً، ومصدر رزق، وحرية . فنظام الحكم في الكويت ديموقراطي السيادة فيه للأمة، يقوم على دستور متطور ومتوازن، ويستند الى مؤسسات شرعية، امتاز عبر قرون بروح الاسرة التي تربط الكويتيين جميعاً، حكاماً ومحكومين، رئيس الدولة فيه يظل أباً لابناء هذا الوطن جميعاً.
والنظام الديموقراطي ملتزم بالمشاركة الشعبية، ويوفر الضمانات لتجاوب الحكم مع اتجاهات الناس واحاسيسهم، مما حقق للكويت وشعبها انجازات كبرى في مختلف المجالات، ونقلها خلال خمسين سنة الى دولة عصرية، ذات مستوى معيشي متقدم، وحياة انسانية متطورة، وممارسة سياسية حرة. وبالتأكيد هناك سلبيات وهناك نقاط ضعف وهناك مصاعب ومشاكل .. لكن كل هذه العقبات لا يمكن ان تقارن بمثيلاتها في الدول التي حدثت فيها ثورات الربيع العربي.
فالخلل موجود ومحاولات الارتداد عن الدستور قائمة، واحلام اليقظة باغتيال الديموقراطية مستمرة. وهذه الظواهر السلبية لا تخلو من مثلها حتى أعرق الديموقراطيات، لكن المهم أن تتوافر آليات كشفها، وتتحقق محاسبة من يرتكبها، حتى يكون النظام قادراً على تنظيف نفسه منها. لكن النظام الديموقراطي في الكويت يضمن آليات الكشف عن الخلل ويعطي الحق في محاربته، والاستمرار في التصدي له ومكافحته حتى الانتصار عليه. وختاما يمكن القول بثقة ان الأنظمة العربية التي سقطت، أو التي في طريقها إلى السقوط، قد ركزّت كل همّها وعملها على حماية نفسها من شعوبها، بينما نظام الحكم في الكويت قام على تمثيل إرادة شعبه، لذا فإن شعبه يريده ويتمسك به.


التعليقات
لا يوجد أي تعليقات على هذا المقال بعد.