
واجه الاقتصاد العالمي واحدة من أصعب الأزمات في تاريخه الحديث، إذ تعين عليه أن يتحمل في آن واحد التداعيات المتزايدة للأزمة المالية العالمية والتي سرعان ما تحولت إلى أزمة اقتصادية كان لها ارتداداتها السلبية على مختلف دول العالم وقطاعاته الاقتصادية العالمية، ومن هذه القطاعات القطاع المصرفي.
وكما هو معروف فقد بدأت الأزمة بعد انهيار أحد البنوك الامريكية ألكبري "بنك ليمان براذر"، ووصف البعض هذا اليوم بأنه يوم تغير فيه وجه العالم. لكن المتتبع للأزمة يمكنه أن يرى أن الأزمة سبقت هذا التاريخ، لكن الإعلان عنها كان متزامنا مع انهيار بنك ليمان، كما من الممكن أن نلحظ أن تلك الأزمة كانت الأكبر والأعظم خلال ال80 عاما الأخيرة أي منذ الكساد العالمي الكبير عام 1929م. ويرجع المحللون الماليون والاقتصاديون انهيار البنوك والتي بدأت بالانهيار بتسارع كبير الى عدة أسباب اهمها : الإقراض الربوي دون النظر في قدرة المقترض على سداد أصل الدين أو الفائدة. والاتجار غير المحسوب بالديون عن طريق شراء السندات وبيعها، فقد بلغ حجم الاتجار في الديون قبل وقوع الأزمة مباشرة أكثر من تريليون دولار في اليوم الواحد، وهذه السندات تمثل ديون بفوائد ربوية، وكانت تلك السندات وديونها هي المحرك الرئيس للأزمة المالية الحالية. وقد كانت مجريات الأحداث وفقا للتالي:
قدمت البنوك قروضاً عقارية مضمونة بالعقارات ذاتها، ثم أعادت تمويل بعض تلك القروض فور ارتفاع أسعار تلك العقارات في السوق، فحصل المقترضون الأولون على قروض جديدة أنفقت على سلع استهلاكية، وترف ورفاهية زائدة على مقدرة المقترضين مما زاد من عبء القروض وفوائدها عليهم. ولتعزيز موقفها قامت البنوك بتوسيط شركات تأمين عملاقة -مثل فريدي ماك- لضمان تلك القروض العقارية، وذلك بدمج تلك الديون وإصدار سندات تمثلها، لحق تلك الخطوة المضاربة، والاتجار المحلي والدولي في تلك السندات، فأقبلت مصارف دولية كثيرة على شرائها. ومع تنامي الديون وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية الذي شهده العالم وجد المقرضون أنفسهم غير قادرين على الوفاء بأصل القروض وفوائدها، وعجزُ هؤلاء عن الدفع، مما ترتب عليه عجز البنوك عن تقديم مزيد من التمويل ورفع أسعار الفائدة. و تفاقمت الأزمة مع عجز مؤسسات التأمين عن الوفاء بالتزاماتها نتيجة الطلب الهائل عليها مع وقوع المؤمَن ضده وتخلف حملة وثائق التأمين، أصحاب الدين العقاري على الوفاء بالتزاماتهم تجاه البنوك المقرضة المؤمَّن لها. فتهددت البنوك بالإفلاس. ثم قام المودعون بسحب أرصدتهم خشية فقدها بإفلاس البنوك، و انتقلت عدوى خوف عامة المودعين كما هو الحال في كل الأزمات، من بنك لآخر، ومن دولة لأخرى رغم انعدام أسباب تلك المخاوف في بعض الدول الأخرى ، وتحولت أزمة الرهن العقاري من ازمة امريكية إلى أزمة مالية عالمية، اكتوى بنارها كل دول العالم وبنسب متفاوتة، ولم تسلم دولة واحدة من تداعيات تلك الأزمة.
الملامح الحالية للأزمة المالية
دراسات عديدة رصدت وأرخت لتبعات الأزمة وتداعياتها على اقتصاديات العالم بعد مضى أكثر من عام ونصف ورسمت لنا مشهد العالم حاليا وهو مشهد يمكن وصفه كالتالي : انهيار وإفلاس عدد من الشركات العالمية الكبرى، ودمج بعضها، بالإضافة إلى إفلاس كثير من البنوك العالمية، وبنوك عالمية أخرى معرضة لنفس المصير. ويمكن القول إن الدروس المستفادة من انهيار بنك "ليمان براذر" و ما تبعه من أزمة مالية لم تستوعب على نحو ملائم، ويتضح ذلك من أنه سرعان ما عادت ثقافة المكافآت والعلاوات للعاملين في قطاع المال والأعمال والبورصة، مما تطلب وضع مقاييس مختلفة، ووضع قيود على الحوافز التي تقدمها البنوك والمؤسسات المالية للعاملين بها، حيث كانت أحد أسباب اندفاع مديري البنوك لقبول عمليات عالية المخاطر طمعا في إرباحها، وبالتالي زيادة المكافآت التي ستعود عليهم.



قادة
